Monday, May 11, 2026

حكايات أخر الليل

 اكتشفتُ مبكرًا جدًّا أني لا أطيق الزحام.. بل وأتجنبه لدرجة أني -وأعتقدُ أنَّ لديَّ فريقًا من المشجعين في هذه الجهة- أتجنبُ الخروج من المنزل تمامًا في أيام الأعياد والأيام الوطنية وما شابهها من الاحتفالات التي تقتضي على الناسِ أن تزدحمَ في مكانٍ ما، يتشاركون فيه الحيز الذي يضيقُ بهم مهما كان المكان واسعًا، وذات الهواء الذي يدهشني أن يصبحَ مشبعًا بالكربون حتى يجعلك تجاهدُ لتتنفس.. ناهيك عن الأطفالِ وما أدراك ما الأطفال.. الذين يستبيحون كل ما هو في حيز وجودهم كأنه خُلق فقط ليلهوا ويلعبوا به ويدمرونه أو يحاولون.. وإذا تغلبَ عليك انفعالُك في ثورةِ غضبٍ وقررتَ أن تعاقبَ طفلًا فيهم.. حتى وإن كان طفلَك أنت.. رأيتَ نظراتِ كل مَن حولك تعنّفك وكأنك أنت المخطئ باستجابتك لأي قانونِ منطقٍ يمنعه من العبثِ بأغراض الناس ومتعلقاتهم.. وليس هذا الشيطان الصغير الذي وُصفَ ظلمًا بالبريء..

لذا أتجنبُ الزحامَ وأضعُ لنفسي عدة قواعد للخروج إلى الأماكن العامة، أهمها أن تكونَ مهجورةً تقريبًا، وفي أيامٍ وأوقاتٍ غير التي يعتاد الناسُ الخروجَ فيها.. ومن بين تلك الأنشطة التي أحتاجها "التسوق الأسبوعي" والتي أُفضل أن أقوم بها مساءً بعد الحادية عشرة، وقد اكتشفتُ فيما بعد أن محبي هذا النوع من التسوق لهم اسمٌ فعلاً وهو "متسوقو منتصف الليل"، وأنها ليست فكرةً عشوائيةً اخترعتها.. ولكن عادة يفعلها محبو السكينة والهدوء، وخاصة في وجود أماكن تعمل حتى الثانية صباحًا، فتكون الحادية عشرة بالنسبة لهم ما زالت وقتًا مناسبًا.. بينما تكون الأسر التي تريد أن تحول أروقة المتاجر الي صالات للعب شياطينهم الصغار.. عفوًا أطفالهم، بما فيهم الرضع وحديثو الولادة قد انتهت من طقوسها وذهبت سالمةً إلى بيوتها ليستكملوا إزعاج بعضهم البعض..

وحالما نشأت عندي تلك العادة، أصبحتُ أختار السبت دونًا عن أيام الأسبوع الأخرى، لا لشيء إلا لأنه يسبق يوم بداية الأسبوع في الدولة التي أعيش فيها، ما يجعلُ جُلَّ الجمهور يضطر للنوم مبكرًا في هذا اليوم سواء كان الفرد عاملًا أو دارسًا.. وسعيدًا بخطتي توجهتُ إلى متجرٍ مفضل يقع على شارعٍ رئيسي كبير يصل الدولة الصغيرة التي أقطنها مع جارتها الكبيرة.. وقد اخترتُ هذا المكان عمدًا لتوفر مواقف السيارات أيضًا في تلك الساعة المتأخرة.. ومَن عايشَ تلك المشكلة يستطيع أن يفهمَ تمامًا الجائزة التي تحصل عليها.. عندما تجدُ موقفًا مقابلًا للباب الرئيسي في المكان الذي تقصده.. دخلتُ المتجر ووضعتُ في عربة التسوق واحدة من جرائد العروض التي يطبعونها أسبوعيًا وأحيانًا مرتين بالأسبوع.. وهو ما يدهشني للغاية، فلابد أن هذا الموضوع نتاج تعاونٍ مدهش بين إدارات هذا المتجر..

وبينما أتحرك ناحية المدخل، التقت عيناي مع واحدة من سيدتين أول ما لفت نظري نحوهما هو ملابسهما المتطابقة تقريبًا.. والتي كانت عبارة عن فستانين نصف كم، طويلين إلى الركبة أو فوقها بقليل باللون الأسود، مغطيين بطبقة من الدانتيل بذات اللون، وفتحة الصدر مربعة تظهر بعضًا من فتنة.. وترتدي كل منهما ذات السلسلة الذهبية في عنقيهما، وقد ارتدتا صندلين باللون الأسود ذوي كعبٍ مربع مرتفع أظنه لخمسة سنتيمترات بغير سبب.. فقد كانت كلتاهما طويلة بشكلٍ ملفت بالنسبة لباقي السيدات حولهما.. وقد قدرتُ مباشرة أنهما أختان، ولكني بعد نظرة قصيرة إلى ملامحهما الأربعينية الجميلة.. وشعرهما الفاحم المصبوغ بلون أرجواني داكن ومصفف بعناية.. قدرتُ أنهما صديقتان ربما ممن ما زالتا تختاران ملابسهما سويًّا..

لم تكن تلك المرة الأولى التي ألمحهما في المكان، فربما رأيتهما غير مرة.. ولكني لم أركز كثيرًا في وجودهما.. وربما كانتا مغادرتين بينما كنتُ أدخل، فلا يسمح الوقت حتى للتدقيق في ملامحهما.. عدتُ إلى شؤوني وجريدة العروض الكبيرة التي تحتوي كل ما لا أريده اليوم.. وبعد عدة خطوات التقت عيناي مع نفس السيدة مرة أخرى.. فرأيتها تنظر نحوي باهتمام ما جعلني أشعر ببعض الحرج.. فقد كنتُ قد قمتُ بقص شعري مؤخرًا وأنا أثناء قص شعري والذي أفعله منزليا بنفسي بالمناسبة.. أزيله تمامًا تقريبًا.. مما يجعلني أقرب للصلع.. كما وأني أجرُّ أمامي كرشًا نجحت سنواتي الخمسون أن تجعله مستديرًا معتبرًا له شخصيته المستقلة.. وبالتالي فلا أتوقع أن تبدي سيدةٌ جميلة اهتمامًا بي بهذا الشكل الواضح.. أضف على هذا الوقت المتأخر والنشاط الذي نمارسه جميعًا هنا وهو التسوق الليلي كما أسلفت..

بادلتُ نظرتها بابتسامة وأكملتُ طريقي داخل أروقة المتجر.. ولعلها تكون صدفة ثالثة ولكن عيني التقت عيناها لمرة أخرى.. لا أعرف من أين واتتني الكلمات ولكنها خرجت بعفوية.. فقلتُ لها محييًا: مساء الخير.. ردت بصوت رقيق للغاية ناسب ملامحها التي قد أنفقت وقتًا لا بأس به على تجميلها بأدوات تجميل أبرزت جمال شفتيها وحدود عينيها وعظمتي وجنتها الجميلة البارزة: مساء النور.. قلتُ مستطردًا وأنا أعرف أن هذا النوع من الحوارات ليس به أي وقت للتردد: رأيتُكِ قبل ذلك في هذا المتجر في هذا الوقت تحديدًا عدة مرات.. ضحكت ضحكة قصيرة مشجعة وهي ترد بسرعة: نعم، فالمكان الذي أعمل به قريب من هنا.. قلتُ متعجبًا: معقول! تعملين لهذا الوقت المتأخر؟ ظننتُ أنكِ ستقولين إنه قريب من منزلك.. نظرت في عيني مباشرة وكأن تلك طريقتها للتواصل وهي تقول: أديرُ صالونًا نسائيًّا قريبًا للغاية من المتجر، وتعودتُ أنا وصديقتي -وهي تشير إلى صديقتها التي كانت تبعد عنا عدة خطوات- أن نمرَّ بالسوبر ماركت لقضاء احتياجاتنا عند نهاية اليوم.. وأنت؟ ها هي تستطرد هذه المرة..

قلتُ بهدوء: بالنسبة لي المكان في الحقيقة ليس قريبًا من بيتي، ولكني أقضي احتياجاتي في وقت متأخر تجنبًا للزحام وأرتاح في المكان هنا.. بخلاف العروض والصفقات الجيدة التي أحصل عليها في كل مرة أزور المتجر فيها.. ابتسمت وهي تقول: بالفعل، هذه واحدة من مميزات المكان.. كانت صديقتها خلال تلك الفترة القصيرة التي لم تزد على دقيقتين تتحرك في الممر المجاور لنا بعفوية كبيرة، وكأنها بطبيعتها الأنثوية أدركت طبيعية الموقف والحوار ككل.. وقد ذكرتني بذكريات كثيرة عن فترة المراهقة والتي كنا نصاحب فيها بعضنا كشباب في خروجات المشي على البحر خلال فصل الصيف، لنتعرف على الفتيات من المصيفات المتشوقات لقصة صيفية جديدة تحملها كل منهن وهي عائدة إلى بلدتها في الوجه البحري أو الصعيد أحيانًا.. وكان من الشائع أن يكون عددنا اثنين أو أكثر، وإذا كان العدد المقابل لنا من الفتيات غير متساوٍ، يتطوع واحد منا في أن يكون "العجلة الثالثة" كما يسمونها في الانجليزية، ويكتفي بالجلوس على سور البحر يتابع المارة وينظر نحونا في بلاهة..

تحركت صديقتها في الممر المجاور لنا ورأيتها تنظر نحوي باهتمام فحييتها، وأنا أعود لمحدثتي الجميلة التي قالت: لم أعرف اسمك؟ نطقتُ اسمي تلقائيًا، فمدت يدها نحوي فسلمتُ عليها وهي تقول: أنا لطيفة وتلك صديقتي صفاء.. نحن من الجزائر.. قلتُ لها أني كنتُ قد حزرتُ من لهجتها وملامحها أنها من واحدة من دول شمال أفريقيا، وإن كنتُ لم أستطع أن أحدد أيها، لأني حتى الآن تمتزج لهجات تلك الدول في أذني.. قالت في لطف: ربما عندما تتعود على لهجتنا ستميزها عن اللهجة التونسية والمغربية.. ابتسمتُ وأنا أردد أنه سيكون من دواعي سروري.. بنظرة طويلة من صديقتها فهمتُ منها أنها تعلنها بأن الوقت أصبح مناسبًا لنهاية "لقاء العصافير المسنة" هذا.. ابتسمت هي ابتسامة كشفت عن أسنانٍ بيضاء مصفوفة بعناية وهي تقول إنها فرصة سعيدة أتمنى أن تتكرر.. وبادلتها التحية ولم أبتسم بالطبع، فأسناني الصفراء التي لا تنجح حتى بيكربونات الصوديوم الخام في إزالة أثر القهوة والشاي عنها لا تصلح لابتسامات المجاملة..

توقفتُ بعدما غادرت للحظة، تابعتها فيها ولم تفتني التفاتتها بعدما مشت عدة خطوات للتأكد من أني أتابعها.. ابتسمتُ رغمًا عني وقد خامرني شعور طفولي افتقدتُه منذ عدة سنوات.. تحركتُ ناحية "الكاشير" في خفة مستعدًا للخروج..

No comments: